القاضي عبد الجبار الهمذاني

237

تثبيت دلائل النبوة

وقتلوا ملوكهم وادخلوهم طوعا وكرها في دين رسول اللّه وفي شريعته وادخلوا بلدانهم في بلدان الاسلام ، ولم يكن لهم شغل إلا اعزاز دينه ، وإقامة نصوصه ، واحياء شريعته وبثها ونشرها وإظهارها ، وإعزاز من أقام بدينه واذلال من تعرض لأمانة شيء منه . وكانوا بعد وفاته أشد بصيرة منهم في حياته ، لأنهم كانوا في حياته يتكلمون على تدبيره ، فلما مات ، وصار الامر إليهم ، زاد تيقظهم ، فرفضوا كل راحة ، وهجروا كل لذة ، وقصدوا لإقامة نصوصه واحياء شريعته إلى أن يلقوا الأرض كلها بذلك ؛ وما عندهم عمل أزكى من هذا . وانما يظن أن نصوصه كانت تبدل وان كتابه كان يغير وان بنته كانت تلطم ، الذي لم ينظر ولم يتدبر ، وهو كمن قال إنه صلّى اللّه عليه وسلم كان بالمدينة يضرب ويشتم ويداس بحضرة المهاجرين كما كان بمكة ، وهذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل بشأن المهاجرين والأنصار . فان قيل : أو ليس قوم موسى قد عبد قوم منهم العجل في حياته وحياة أخيه هارون ، فلم أنكرتم ان يرتد المهاجرون والأنصار عن دين محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أو ليس قد كانوا على ذلك قادرين ؟ قيل له : إن هذا السؤال لا يسأل عنه من فهم ما قلنا ، لأنا لم نقل : ان هؤلاء ما ارتدوا من طريق التزكية لهم ، ولا من طريق حسن الظن بهم ، ولا محاباة لهم ، ولا لأنهم ما قدروا على ذلك ؛ بل قد كانوا على ذلك قادرين ولكنهم ما اختاروا ذلك ولا / فعلوه ، كما علمنا أن صاحبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما رجع عما كان عليه وان كان على ذلك قادرا ، وان كان عدوه قد ادعى عليه انه رجع واظهر الشك في امره بقوله : « ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي